العودة إلى المكتبة
عام
#تاريخ#أفريقيا#ساموري توري#غينيا

ساموري توري — القائد الذي قتل ابنه من أجل شريعة الإسلام

ساموري توري — القائد الذي قتل ابنه من أجل شريعة الإسلام

لماذا يعرف الغرب نابليون بونابرت بينما يجهل كثيرون القائد البطل ساموري توري؟

أقبل الصليبيون الغربيون في القرن التاسع عشر الميلادي من كل حدب وصوب على قارة أفريقيا طمعًا في خيراتها وثرواتها، وعملوا على تقسيمها فيما بينهم؛ فاحتلت فرنسا الجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا، واحتلت إيطاليا ليبيا، واحتلت إنجلترا مصر. ولم يكتفوا بهذا، بل زحفوا على قلب القارة السوداء فاقتسموها بينهم، فكانت منطقة نهر النيجر الكبرى من نصيب الفرنسيين، لكنهم لم يستولوا عليها إلا أنهم وجدوا هناك الإمام الكبير والمجاهد العظيم ساموري توري.

يُعد ساموري مؤسس سلطنة واسولو، وهي إمبراطورية إسلامية امتدت عبر شمال وشرق غينيا الحالية، وشمال شرق سيراليون، وجنوب مالي، وشمال كوت ديفوار، وجزء من جنوب بوركينا فاسو. وهو مسلم متدين للغاية من المذهب المالكي للفقه الديني للإسلام السني، وقد نظم إمبراطوريته وبرر توسعها بالمبادئ الإسلامية.

وُلد ساموري توري عام 1835م في سانكورو في جمهورية غينيا كوناكري، وهو ينتمي إلى مجتمع الديولا التجاري. كوّن ساموري جماعة تولى رئاستها بنفسه، وأقسم على بناء دولة إسلامية في تلك المنطقة، ثم قام بتدريب رجاله على فنون القتال وتم تسليحهم، ومن ثم بدأ نفوذه يمتد. نجح في تحطيم كل القوى المنافسة له، وصار أكبر قائد لإمبراطورية إسلامية عرفها شعب المالينكي.

في 25 يوليو سنة 1884م، جمع ساموري توري أهله في احتفال وأعلن أنه سيلقب نفسه بلقب الإمام، كما أعلن لهم أن لا معبود بحق غير الله وأن ما دونه من معبودات باطلة، وطلب من أهله ورعاياه أن يعتنقوا الإسلام. وفي نوفمبر من العام نفسه منع الخمر شربًا وبيعًا في مملكته، ومنع العادات الوثنية، وبدأ في تطبيق الشريعة الإسلامية.

كان عامة جيش ساموري توري من المشاة، وقليل منهم من الفرسان، وسلّحهم بأسلحة أوروبية كان يشتريها من البريطانيين في فريتاون مقابل بيع الذهب والعاج وأسرى الحروب، وبلغ من حرصه على جيشه أنه استطاع أن يصنع بعض الأسلحة وقطع الغيار محليًا، وكان حرسه الشخصي مكونًا من 500 رجل.

كان الفرنسيون قد عزموا على الاستيلاء على كل المنطقة التي يجري فيها نهر النيجر، فأتاهم الله بهذا البطل ساموري توري، الذي كبدهم من الخسائر في الأموال والرجال ما لم يتوقعوه، حتى أن بيروز، وهو من كبار عساكر الفرنسيين، لقبه بنابليون السودان، وهذا البطل العظيم هو في الحقيقة فوق هذا اللقب بكثير، فقد دوّخ الفرنسيين بجهاد جليل دام ثلاثة عشر عامًا، بالرغم من بدائية أسلحته أمام آلة الحرب الفرنسية الجبارة، لكنه الإيمان إذا وقر في القلوب فلا يقوم أمامه شيء.

كانت فرنسا تدعو إمبراطوريته بالمتنقلة؛ لأنه كلما خسر أرضًا أمام الفرنسيين عوّضها بأراضٍ أخرى من الأراضي الوثنية، فكانت إمبراطوريته لا تنقص مساحتها، بل تزيد.

أتت الحكومة الفرنسية بقائد آخر اسمه بونييه، بغية تحقيق نصر سريع بعد أن طالت مدة مقاومة ساموري. جرّد القائد الجديد حملة بقيادة مونتي، لكنها مُنيت بهزيمة ساحقة من قوات الإمام ساموري، وأُسر من الجند الفرنسيين عدد كبير، ثم أرسلت فرنسا حملة أخرى فهُزمت، ولله الحمد، كما هُزمت سابقتها، فجنحت فرنسا للسلم، وأرسلت حاكم السنغال الفرنسي ليعقد معاهدة مع الإمام، الذي قبلها لحاجته إلى الراحة والإعداد، وللتفرغ لنشر الإسلام بين الوثنيين.

لكن الفرنسيين لجؤوا إلى الحيلة والخداع، فتحالفوا مع تيبا تراوري حاكم كندوجو، والذي أضعف قتاله توري، وكان تيبا العدو الأول لتوري لكنه ليس الوحيد، فحاربته الكثير من القبائل الوثنية، وساعد تيبا الفرنسيين كثيرًا في محاصرة ساموري، بحيث كان الفرنسيون يهجمون عليه من جهة فيهجم عليه تيبا من جهة أخرى.

وتمكن الفرنسيون من تعقب الإمام في معركة كبيرة في يوليو سنة 1898م، كسبها ساموري ضد القائد الفرنسي لارتيج، لكنه أخطأ فتحرك غربًا لفتح المناطق الاستوائية في مواسم الأمطار، فاستغل الفرنسيون ذلك، فعملوا على محاصرته بصحبة القبائل الوثنية المتحالفة معهم في غابات ساحل العاج بعد أن منعته بريطانيا من التقدم شرقًا ناحية غانا. وأمام هذا الحصار المطبق اضطر ساموري وقواته إلى البقاء في الغابات دون خطة مسبقة وسرعان ما أصابتهم الأمراض والجوع، فاضطر أغلب جيشه إلى الانفضاض عنه، ولما علم الفرنسيون بهذه المستجدات شدّدوا محاصرته.

أراد ساموري أن يعود إلى ساننكورو، لكن الفرنسيين رفضوا إلا أن يأتيهم بأبنائه رهينة ويسلم أسلحته، فعظم عليه ذلك، فواصل القتال حتى قبض عليه غدرًا ونُفي إلى جزيرة أوجويه في سنة 1898م، وقيل نُفي إلى الجابون، وتوفي في سنة 1900م، رحمه الله تعالى، واستقرت فرنسا في غرب أفريقيا عقب هذا الانتصار المفاجئ.

أحد المواقف الشهيرة في حياة الإمام ساموري توري، هو أن الفرنسيين اختطفوا ولده، ثم ساوموه على رده مقابل بعض التنازلات، لكنه لم يقبل بها وأبقى على ابنه عند الفرنسيين. انتقل ابنه إلى فرنسا لمدة ست سنوات، واستطاعوا التأثير عليه وتغيير أفكاره ليصبح منهجه علمانيًا مخالفًا لمنهج أبيه، وأرسل إلى أبيه ليقنع شعبه بتبني الأسس العلمانية والقوانين الفرنسية، فقتله توري أمام الناس، رافضًا قبول دعواته العلمانية، مشددًا على التزامه بعقيدة الولاء والبراء.

وقد ترك حفيده أحمدو سيكو توري ليتولى المقاومة من بعده، وليصبح أول رئيس لغينيا التي حصلت على استقلالها سنة 1958م.